خطبة الجمعة المذاعة والموزعة
بتاريخ 3 من صفر 1448هـ الموافق 17 /7 / 2026م
{وَلَا تُسْرِفُوا }
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَرَ بِالْعَدْلِ، وَأَثْنَى عَلَى الْمُعْتَدِلِينَ، وَنَهَى عَنِ السَّرَفِ وَذَمَّ الْمُبَذِّرِينَ، وَجَعَلَهُمْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْقَائِلُ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } [الأعراف: 31]، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْأَمِينُ، وَصَفْوَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْمُطَهَّرِينَ، وَصَحْبِهِ الْمَيَامِينِ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللَّهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّ التَّقْوَى سَبِيلُ الْفَلَاحِ، وَطَرِيقُ الْبِرِّ وَالصَّلَاحِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18].
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: لَقَدِ امْتَازَ دِينُكُمُ الْعَظِيمُ، بِمَنْهَجِهِ الْوَسَطِ الْقَوِيمِ، بَيْنَ سَبِيلِ السَّرَفِ الْمَقِيتِ، وَطَرِيقِ الشُّحِّ الْمُمِيتِ، فَدَعَا إِلَى الِاعْتِدَالِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَحَثَّ عَلَى الْقَصْدِ فِي كُلِّ أَمْرٍ، فَلَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ؛ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: ٢٩]، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »كُلُوا، وَاشْرَبُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَالْبَسُوا، مَا لَمْ يُخَالِطْهُ إِسْرَافٌ أَوْ مَخِيلَةٌ« [أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ]، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ عَنْ حَدِّ الْإِسْرَافِ: (وَضَابِطُ هَذَا كُلِّهِ الْعَدْلُ، وَهُوَ الْأَخْذُ بِالْوَسَطِ الْمَوْضُوعِ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، وَعَلَيْهِ بِنَاءُ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).
فَالْإِسْرَافُ دَاءٌ يُهَدِّدُ الْمُجْتَمَعَاتِ، وَيُبَدِّدُ الْأَمْوَالَ وَالثَّرَوَاتِ، وَيَجْلِبُ الْبَلَايَا وَالْعُقُوبَاتِ، وَهُوَ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الضَّلَالِ، وَأَصْحَابُهُ مُتَوَعَّدُونَ بِسَخَطِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر: 43].
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ لِلسَّرَفِ وَالْهَدْرِ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ صُوَرًا شَتَّى، وَمَظَاهِرَ يَأْبَاهَا أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، مِنْ أَبْرَزِ هَذِهِ الْمَظَاهِرِ: الْإِسْرَافُ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ، لَا سِيَّمَا فِي الْوَلَائِمِ وَالْمُنَاسَبَاتِ، فَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ قُوتُ الْبَدَنِ، لَكِنَّهُ إِنْ تَجَاوَزَ قَدْرَ الْحَاجَةِ غَدَا مُسَبِّبًا لِلْعِلَلِ وَالْأَدْوَاءِ، يُصَابُ صَاحِبُهُ بِالْكَسَلِ وَالتُّخَمَةِ وَالْأَمْرَاضِ؛ فَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: »مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ«. [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ].
إِخْوَةَ الْإِسْلَامِ: وَمِنْ مَظَاهِرِ الْإِسْرَافِ: تَكَدُّسُ خَزَانَاتِ الْمَلَابِسِ بِأَفْخَرِ الثِّيَابِ، بَاهِظَةِ الْأَثْمَانِ؛ سَعْيًا وَرَاءَ الْمَظَاهِرِ وَالتَّقْلِيدِ، وَاسْتِسْلَامًا لِرَغْبَةِ الشِّرَاءِ، وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَيَظْهَرُ هَذَا السَّرَفُ بِجَلَاءٍ فِي وَلَائِمِ الْقَوْمِ، وَمَحَافِلِ نِسَائِهِمْ، وَحَفَلَاتِ زَوَاجِهِمْ، تَكَالِيفُ بَاهِظَةٌ، وَمَلَابِسُ فَاخِرَةٌ، قَدْ لَا تُلْبَسُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، سَرَفٌ لَا حَدَّ لَهُ، وَشَرْطٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَمُبَاهَاةٌ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ.
وَمِنْ مَظَاهِرِ الْإِسْرَافِ: الِانْهِمَاكُ فِي تَبْدِيدِ الْمَالِ فِي غَيْرِ مَا يُجْدِي، بَدْءًا مِنَ التَّوَافِهِ وَالْكَمَالِيَّاتِ، وَانْتِهَاءً بِالْمُوبِقَاتِ وَالْمَحْظُورَاتِ، قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي الْإِسْرَافِ: (أَخْذُ الْمَالِ مِنْ حَقِّهِ، وَوَضْعُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ)، فَحِينَ تَغْلِبُ الْمُسْلِمَ شَهْوَةُ الشِّرَاءِ الْجَامِحَةُ، وَيَفْقِدُ مَعَهَا التَّحَكُّمَ فِي هَوَاهُ، يُوقِعُهُ ذَلِكَ فِي الضِّيقِ وَالْمَشَقَّةِ، عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَرُبَّمَا لَحِقَهُ مِنَ الدَّيْنِ مَا عَكَّرَ صَفْوَ حَيَاتِهِ، وَجَعَلَهُ حَبِيسَ هَمِّ قَضَائِهِ وَانْفِرَاجِهِ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ: وَمِنْ مَظَاهِرِ الْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ: تَجَاوُزُ الْحَدِّ الْمَعْقُولِ فِي اسْتِهْلَاكِ الْمَاءِ وَالْكَهْرَبَاءِ وَوَسَائِلِ الِاتِّصَالِ الْحَدِيثَةِ، فَالْإِسْرَافُ فِي اسْتِعْمَالِهَا مُشَاهَدٌ وَمَلْحُوظٌ؛ فِي الْبُيُوتِ وَالْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ، فَالْمُبَالَغَةُ فِي غَسْلِ السَّيَّارَاتِ، وَعَدَمُ الِاتِّزَانِ فِي رَيِّ الْحَدَائِقِ وَالْمَزْرُوعَاتِ، وَإِهْمَالُ التَّوْصِيلَاتِ الْمَائِيَّةِ، يُنْبِئُ عَنْ ضَعْفِ التَّصَوُّرِ لِهَذِهِ الْمُشْكِلَةِ، وَإِضَاءَةُ الْمَصَابِيحِ نَهَارًا، وَسُوءُ اسْتِعْمَالِ الْأَجْهِزَةِ الْكَهْرَبَائِيَّةِ، قَدْ يَجُرُّ الْمُجْتَمَعَ إِلَى مَشَقَّةٍ وَعَنَتٍ هُوَ فِي غِنًى عَنْهُ، لَوْ أَنَّهُمْ أَحْكَمُوا تَصَرُّفَاتِهِمْ، وَوَزَنُوا احْتِيَاجَاتِهِمْ، وَلَكُمْ-عِبَادَ اللَّهِ- أَنْ تَنْظُرُوا إِلَى هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَتِ الْمَدِينَةُ فِي عَهْدِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ مِيَاهٍ وَافِرَةٍ، وَزُرُوعٍ وَحَدَائِقَ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ بِصَاعٍ، وَيَتَوَضَّأُ بِمُدٍّ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: »هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ، أَوْ تَعَدَّى، أَوْ ظَلَمَ« [أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ]، وَهَذَا التَّوْجِيهُ النَّبَوِيُّ فِي شَأْنِ الْعِبَادَةِ، فَمَا بَالُكُمْ بِمَا هُوَ دُونَ الْعِبَادَةِ؟!
إِخْوَةَ الْإِسْلَامِ: إِنَّ تَرْشِيدَ الْمَاءِ وَالْكَهْرَبَاءِ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَأَخْلَاقِيٌّ، فَالْمَاءُ عَطَاءٌ إِلَهِيٌّ، مِنْهُ نَشْرَبُ، وَبِهِ نَتَطَهَّرُ، وَبِهِ نَسْقِي الزَّرْعَ وَالْبَهَائِمَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْإِسْرَافِ فِيهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَرْءُ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ، فَأَغْلِقُوا الصَّنَابِيرَ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، وَأَصْلِحُوا التَّسْرِيبَاتِ، وَلَا تُسْرِفُوا فِي الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْلِ.
وَكَذَلِكَ الْكَهْرَبَاءُ، هِيَ نِعْمَةٌ أَنَارَتْ حَيَاتَنَا، فَاحْرِصُوا عَلَى إِطْفَاءِ الْأَنْوَارِ وَالْأَجْهِزَةِ عِنْدَ تَرْكِهَا، وَاسْتَعْمِلُوا الْمَصَابِيحَ الْمُوَفِّرَةَ، وَتَجَنَّبُوا التَّبْرِيدَ الْمُفْرِطَ، فَفِي ذَلِكَ حِفْظٌ لِلْمَالِ، وَرَاحَةٌ لِلْمِيزَانِيَّةِ، وَتَخْفِيفٌ لِلْأَعْبَاءِ عَنِ الدَّوْلَةِ، وَإِبْقَاءٌ لِلنِّعْمَةِ تَدُومُ عَلَيْنَا؛ قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } [الفرقان: 67].
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ إِخْوَةَ الْإِيمَانِ، وَكُونُوا مِنْ ذَوِي الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، وَتَجَنَّبُوا طَرِيقَ السَّرَفِ وَالْعُدْوَانِ، فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ الْخَيْبَةُ وَالْخُسْرَانُ؛ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر: 16].
عِبَادَ اللَّهِ: كَمْ حَدَّثَ التَّارِيخُ عَنْ مُجْتَمَعَاتٍ عَامِرَةٍ أَسَّسَهَا رِجَالٌ مُخْلِصُونَ؟ أَشَادُوهَا بِمَا يَلِيقُ مِنَ الْمَرَافِقِ، وَأَنْشَؤُوا حَوْلَهَا مَا يُقِيمُهَا مِنَ الْمَزَارِعِ وَالْمَصَانِعِ وَالْعَقَارِ وَالْمَتَاجِرِ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى أَخْلَافٍ غَلَبَ عَلَيْهِمُ السَّرَفُ وَالدَّعَةُ، فَأَطْلَقُوا لِشَهَوَاتِهِمُ الْعِنَانَ، حَتَّى أَفْسَدُوا مَا سَلَفُهُمْ أَوْرَثُوا وَخَلَّفُوا، فَتَقَوَّضَتْ تِلْكَ الْمُجْتَمَعَاتُ، وَلَاقَى أَبْنَاؤُهَا عَنَاءَ الْقَسْوَةِ وَالشَّتَاتِ.
فَقَدْ كَانَ الْمُعْتَمِدُ بْنُ عَبَّادٍ أَمِيرُ أَشْبِيلِيَّةَ يَعِيشُ حَيَاةَ التَّرَفِ، فَبَالَغَ فِي التَّنَعُّمِ وَالتَّلَذُّذِ حَتَّى وَقَعَ فِي الْبَطَرِ وَالسَّرَفِ، رَأَتْ زَوْجَتُهُ فَقِيرَاتٍ حَوْلَ قَصْرِهِ يَبِعْنَ الْمَاءَ، وَهُنَّ يَخُضْنَ فِي الطِّينِ، فَاشْتَهَتْ زَوْجَتُهُ مَعَ بَنَاتِهَا أَنْ يَخُضْنَ فِي الطِّينِ كَحَالِهِنَّ، فَلَبَّى الْمُعْتَمِدُ طَلَبَهَا، لَكِنْ بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ، أَمَرَ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ، فَخُلِطَ بِمَاءِ الْوَرْدِ، وَجُعِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الزَّعْفَرَانِ؛ لِيَكُونَ فِي هَيْئَةِ الطِّينِ، ثُمَّ جُعِلَ فِي سَاحَةِ قَصْرِهِ؛ لِتَخُوضَ فِيهِ زَوْجَتُهُ وَبَنَاتُهُ، فَهَذِهِ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الْبَذَخِ وَالْإِسْرَافِ الَّتِي سَجَّلَهَا التَّارِيخُ؛ لِتَكُونَ عِبْرَةً لِمَنْ رُزِقَ رَغَدًا وَسَعَةً فِي الْعَيْشِ. ثُمَّ تَهَاوَى مُلْكُ الْمُعْتَمِدِ، وَأُخْرِجَ مِنْ أَشْبِيلِيَّةَ، وَصُودِرَتْ أَمْوَالُهُ بَعْدَ أَسْرِهِ فِي أَغْمَاتَ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِ بَنَاتُهُ يَوْمَ عِيدٍ فِي أَلْبِسَةٍ بَالِيَةٍ عَتِيقَةٍ، فَثَارَتْ نَفْسُهُ عَلَى حَالِهِ وَحَالِ أَهْلِهِ وَبَنَاتِهِ، فَأَنْشَدَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ:
فِيمَا مَضَى كُنْتَ بِالْأَعْيَادِ مَسْرُورًا فَسَاءَكَ الْعِيدُ فِي أَغْمَاتَ مَأْسُورًا
تَرَى بَنَاتِكَ فِي الْأَطْمَارِ جَائِعَـــــــةً يَـــغْزِلْنَ لِلنَّاسِ مَا يَمْلِكْنَ قِطْمِيرًا
يَطَأْنَ فِي الطِّينِ وَالْأَقْدَامُ حَافِيَـــــةٌ كَــــأَنَّهَا لَمْ تَطَأْ مِسْكًا وَكَافُـــــورًا
مَنْ بَاتَ بَعْدَكَ فِي مُلْكٍ يُسَرُّ بِـــــهِ فَإِنَّــــمَا بَـــــاتَ بِالْأَحْلَامِ مَغْرُورًا
اللَّهُمَّ قِنَا السَّرَفَ وَالتَّبْذِيرَ، وَاحْفَظْ جَوَارِحَنَا وَأَمْوَالَنَا عَنِ الْخَلَلِ وَالتَّقْصِيرِ، وَأَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَتَكَ، وَجَنِّبْنَا سَخَطَكَ وَنِقْمَتَكَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ؛ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، رَبَّنَا ارْفَعْ عَنَّا الْبَلَاءَ وَالْوَبَاءَ، وَالضَّرَّاءَ وَالْبَأْسَاءَ، وَأَدِمْ عَلَيْنَا النِّعَمَ، وَادْفَعْ عَنَّا النِّقَمَ، وَزَكِّ نُفُوسَنَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.
لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة